الصحافة … من الحرية الى التوجيه المعنوي

أعتدنا على الأستشهاد بمراحل ومنعطفاتٍ تاريخية لتوضيح التحولات التي مرت بها تغطية مناطق النزاع .. فمن المساحة الواسعة للتغطية في حرب فيتنام والتي أدت تلك التغطية للمأسي خلالها الى تحويل الرأي العام الدولي بشكلٍ عام والأمريكي بشكلٍ خاص الى رأيٍ معادٍ للحرب بل دفعت الى التظاهر والضغط لايقافها .. على العكس من رغبة قيادة الأركان حينها والتي سمحت بأصطحاب الصحفيين الى الخطوط الأمامية ظناً منها أن ذلك سيساهم في تعزيز الروح المعنوية والدعم الشعبي لتلك الحرب … لتمضي الأعوام وتستفيد القيادات العسكرية من الدرس فتنتقل تلك التغطيات الى حالة الشلل التام كما في حرب فوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين أذ مُنِعت الصحافةُ بالكامل عن تغطية تلك الحرب والمتابع للتاريخ يلحظُ ندرةٍ في الصور التي توثقُ مجريات تلك الحرب وأعداد ضحاياها … حتى حل عام 2003 وبدأ غزو العراق عندها أخذت التغطيةُ بُعداً جديداً ألا وهو ” الحرب المنقولة على الهواء مباشرة ” فبين تغطية قناتي الجزيرة وأبو ظبي للداخل العراقي من بغداد لحظةً بلحظة ترافقت تلك التغطيةُ مع أخرى ولكن من فوق الدبابات والبارجات كما فعلت سي ان ان وفوكس ميوز وغيرهما .. والجميعُ كان يبثُ الوقائع على الهواء مباشرةً وإن من زوايا مختلفة … والمحطة الحالية التي يعيشها الأعلام أو الموقف من الأعلام بشكلٍ عام والذي مرّ بالمجمل بمراحل أنتقاليةٍ تشبهُ تلك التي شهدتها تغطية النزاعات .. ماهي إلا أنعكاسٌ لرغبة قادة العالم في تحجيم الأعلام وكبح جماح التأثير الذي صاحب التطور الرقمي ووسائل الأنتشار … نعم الأمرُ في العراق بدأ باكراً وأتحدثُ هنا عن الشرق الأوسط فالأعلامُ في العراق أنتقل من أعلام الدولة والحزب الواحد .. الى ما اريد لنا تصديقهُ بأنه بدايةُ عهدِ حرية الأعلام بينما كان الصحفيون ومنذ التاسع من نيسان 2003 يُختطفون ويُقتلون تارةً على يد الجماعات الأصولية الأرهابية وأخرى على يد المليشيات الحزبية بل وحتى على يد القوات الغازية أو رسول الديمقراطية والحرية كما قدمت نفسها … يومها وفي ذلك الوقت كان الأعلام العربي أفضل حالاً من العراق ولم يكن ينافسه في قوائم البلدان الاخطر صحفياً حينها سوى الصومال وأفغانستان مع مراعاة نسبة التفاوت بالحرية الصحفية بين دولةٍ وأخرى من الدول العربية … لكن لم يصادف العالم كما الأن وضعاً مشابهاً بأن تتوافقُ كل قوى الأرض الحاكمة والمالكة للقرار على موقفٍ سلبي تجاه الأعلام .. كل الأعلام .. خلا الأعلام الحربي والتوجيه المعنوي .. فبين قطبي العالم نرى الرئيس الأمريكي ومنذ اليوم الأول يعلن الحرب على الأعلام بل بلغ الأمر أن يمنع صحفيون من دخول البيت الأبيض وتلك سابقةٌ في تاريخ الأعلام الأمريكي ، أما روسيا فلن نتناول أصلاً  أوضاع الأعلام فيها فسجلها حافل بالأحداث وكذا الصين وكذا أفريقيا .. بينما يقابل ذلك التضييق الكوني .. محاولة أجتذابٍ وتحييد للأجيال الصحفية من حرس الصحافة القديم وفي الوقت ذاته العملُ على حرف بوصلة الأجيال الناشئة منذ خط شروعها بالزج العشوائي لفئاتٍ تفتقرُ الى الخبرة  يغريها فقط لمعان الشاشات وسلاح كلتا الأليتين المال والضغط والتشويش والخوف من المستقبل .. ومع كون الأجهزة الأعلامية لاتتمتع بالعصمة وأنها عرضة للأخطاء لكن على مايبدو أن المراد ليس تحجيم الأعلام أو ” تقويمه ” كما يدعي البعض … لكن المراد بحسب المؤشرات التي لاتعدُ ولا تحصى مما تتعرض له الجهات الأعلامية محلياً في العراق أو أقليمياً بل ودولياً .. أن يتم أجتثاث ذلك المفهوم الذي تعارفت عليه الصحافة في العقود الأربعة الأخيرة … وأحلال التوجيه المعنوي المحلي والاقليمي والدولي … بديلاً عنه


ليث مشتاق

2017

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Discover

A daily selection of the best content published on WordPress, collected for you by humans who love to read.

Longreads

The best longform stories on the web

The Daily Post

The Art and Craft of Blogging

The WordPress.com Blog

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

%d bloggers like this: