تحت سياط الغفران …

“أتلذذ حين أرى خصومي اليوم يتوجعون من غفراني لهم، ويطربني أنينهم كلما أذقتهم عفوي”

1410398234_c341320704_m1

الواحدة والنصف ظهر يوم الأحد 26 أكتوبر 1979م كان لصوت جرس المدرسة وقع آخر، أو هكذا أحس به سمير بعد يوم طويل في المدرسة، لم يكن يتبسم تلك الأيام، فصوت عراك أمه وأبيه بات يلازمه طوال اليوم، ويزداد الصوت ارتفاعا في أذنيه كلما طلبت المدرسة من الطلاب الكتابة في صمت.
وسط زحام الطلاب أخذ يشق طريقه نحو باب المدرسة الضيق، اعترته ابتسامة فرح حين رأى أمه وأبيه على باب المدرسة على غير عادة، ربما أحسا بي أخيرا، فلطالما تمنيت هذا المنظر أن يكون أحد ما بانتظاري.إلا أن جفاف المقابلة أثارت الريبة في نفسه، مممم يبدو أن وراء الأمر ما وراءه، وعلى غير العادة أيضا، ركبت العائلة سيارة الأجرة “تبدو عليهما العجلة” إلى أين!؟
إلى منتزه قريب فيه مقهى شبه مهجور لا يرتاده إلا عشاق السبعينات أو طلاب البكالوريا لإضاعة الوقت بحجة الدراسة، جلس الأبوان متقابلين بينما اعتلى سمير وسط الطاولة، ولم ينتبه إلى حقيبته التي لا تزال على ظهره إلا حين طلب منه والده تنحيتها جانبا كنوع من الإيحاء بالاسترخاء، ثم..
– هل أنت جائع؟ بادره الأب.
– لا.. أكلت شيئاً قبل قليل! وكأنه يطلب بأسلوب مبطن: هاتِ ما لديك بابا!
خاصة بعد أن بدا ارتباكُ الأم جليا، فبالكاد تحبس دموعها، وتتظاهر بالصلابة.

الأب: سمير.. هل تعلم بأنني أحب ماما؟
سمير: طبعاً.. “إلا أن صريخكما اليومي يشي بغير ذلك” وغلبهُ صوت أعماقه.
الأب: حبيبي.. أنا وماما لا نزال يحب أحدنا الآخر إلا أننا لن نعيش مع بعض بعد اليوم، واحمر وجه سمير بينما غزتهُ ابتسامة عريضة لمعت بين الدمع الذي أغرقَ وجههُ حينَ قرأ ما أرادهُ والدهُ، أمسكت الأم بكف ابنها الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره، وبكت هي الأخرى لتسدل بدموعها الستار على تلك المسرحية التي أُريدَ لها أن تكونَ حضاريةً، في تجسيد انفصالٍ موجعٍ يدعى “الطلاق” تمتم سمير: ولكن.. ولم يكمل حينَ قطع تمتماته صوتُ والده: حبيبي.. لن يتغير شيء من علاقتي بماما، نحن لا نزال نحب بعضنا.. لكن الحياة بشكلها الحاليّ غدت مستحيلة.. وسكت الوالدُ برهة.. ثمَّ تابع بألم مصطنع: سمير.. لكَ الخيار طبعاً بأن تبقى مع من أردت منا، ماما أو أنا.

– لكن.. أنا أحب كلاكما، أحبكما معاً..!! قالها سمير بأسىً بالغ، وكأنه يحمل بؤس الكون كله.
كثيرٌ من الحديث الذي دار أمامه عن الحياة والانتقال من مدرسة لأخرى، اختار سمير أن يكمل مشوار حياته في أحضانِ أمه.. بينما اختفى أبوه، وبات ظاهرةً متقطعةَ الظهورِ في حياةِ ابنه وصفها يشبهُ كسوف الشمس، الذي يزور الدنيا كلَّ ثمانية أشهر، كل سنة، أو أحياناً إلى حد ينسى فيه أيُّ سمير أن له أباً! خاصةً بعد أن ارتبط الوالدُ بامرأة أخرى.

21 يوليو 1994م السابعة والنصف مساءً، يدق جرس الباب.. فيتحرك سمير – الشاب – ليفتح الباب، فإذا به الوالد جاء زائراً كما درجت العادة كلما حل موسم وغادر آخر، الوالدُ الذي باتت علاقته بسلوى – الأخت الصغرى لسمير – أقوى باعتبارها بنت – ربما – أو علها لا تجد في غياب الأب عن حياتها ما يحول دونها ودون حبه.
تفضل.. قال سمير، ودخل الوالد وهو يجر كيساً ثقيلاً، ثم جلس سمير، وقبل أن يجلس الأب وضع الكيس أمام قدمي ابنه ثم بادر ابنته بقبلة على وجنتها، وجلس ملتقطاً أنفاسه.

سمير، ويده تشير إلى الكيس: ما هذا؟
الأب: مبلغ من المال.. خذه، اشترِ سيارة، أو سافر به إلى أي مكان.. إنه لك!
نظر سمير إلى الكيس مبتسماً: ما الذي تريد شراءه بهذا المال يا أبي؟ حبي لك، عاطفتي، أم السلام مع نفسك!
صمت الأب ولم يرد، بينما أردف سمير بعد أن رأى أن اللحظة مناسبة لجعل الأب يتأرجح بين تأنيب الضمير وحجج الولد التي لا يقوى على ردها: سأقبل منك هذا المبلغ بشرط!
رفع الأب رأسه متلهفاً لسماع شرط ابنه، بينما أكمل سمير: أن تعيد لي قبل المالِ إحساساً يقتل الألم الذي رافقني طويلاً في المشهد الذي كنت تجهله، أو تتجاهله، حين يرن جرس المدرسة معلناً انتهاء اليوم الدراسيّ، لننطلق كلنا إلى باب المدرسة.. وعند الباب أرى ما لم تره أنت.. لقد كنت أرى معن، نمير، علاء، كل يركض إلى أحضان والده، الذي ينتظره وكأنه كان يقيم عند باب المدرسة “سالت دموع الأب” حينما أيقن أن ساعة الحساب التي حاول الهرب منها كثيراً قد حانت.

بينما أكمل سمير: أو.. تخيل شعوري حين كانت المعلمة تمرُّ بين التلاميذ توزع بطاقات الدعوة لاجتماع مجلس الآباء بينما تتجاوز سمير مروراً إلى التلميذ الذي يليه، وكأن سميرَ لا أب له..! وإن استطعت تذوق همسات الطلاب كلما رأوا احمرار وجهي حين يقول قائلهم أن أباه أهداه كذا وكذا.. هل تستطيع أن تخبرني أين كنت أنت؟
أجهش الأب بالبكاء لينهض سمير ثم يجلس تحت قدمي والده ويمسك بيده، وبهدوء بالغٍ يهمس: بابا.. حبيبي، لم أشأ أن أعذبك بتلك الكلمات، أنت أبي.. أتعلمُ ما معنى هذا..!

لقد أردت أن أخبرك: أن قدرتك على تجاهل مشاعري حين كنتُ طفلاً، سأحتويها بعفوي وتسامحي اليوم وأنا شاب.. أنا لن أقبل هذا المال! لكن.. اعلم يا أبي أنني أحبك، ولستَ تحتاج أن ترضيني بشي فإنني راضٍ عنك مهما فعلت وراض عنك فيما ستفعل، بابا.. بالأمس حين كنت طفلا، رأيتني أضرب الشجرة بسيف من خشب، وناديتني: سمير.. لماذا تؤذي الشجرة؟

لأردَّ ببراءة: بابا.. إنها شجرة ولا يمكنها أن تشعر بالأذى، لقد قلتَ لي حينها: كلا إنها تتألم، انظر إلى دموعها، وأشرت إلى الصمغ على لحائها، وقتها رميتُ السيف من يدي وقلت بصوت راجف: كيف لي أن أرضي الشجرة؟ فأجبتني: يا سمير، قبّل غصنَ الشجرة وقل لها إني آسف، وقد قمت بذلك فعلاً، قبلت غصن الشجرة، وهمست لها: إني آسف!
بابا.. منذ ذلك اليوم، تعلمت ألا “أتعمد” إيذاء أحد ولا حتى الجمادات، وهذه بتلك.. حادثة الشجرة.. بكل تلك السنوات..!

شكّل هذا اليوم انعطافاً في العلاقة بين سمير ووالده.. لكن لم يعش الأب طويلاً بعد ذلك اليوم! كانتا سنتين كابد فيهما مرارةَ المرض، وكانَ كُلما رقدَ في المستشفى لا يجد جوارهُ إلا سمير، يحنو عليه، يجالسه في حديقة المستشفى، ليتبادلا الأحاديث كما بالأمس البعيد، عن: كنفوشيوس، بوذا، الإسلام، القيم الأخلاقية، أرسطو، يجلسان في بُعد آخر للعالم، في حديقةِ المستشفى، يشرح سمير رأيه في حضرةِ الوالد الذي يجيد الإصغاء لابنه، ويسترسلً في الحديثِ عن المنظومة القيمية للفلسفات في العفو، والغفران، وبصمات الأنبياء والمصلحين والفلاسفة في تاريخ البشرية التي حرص الأب على تعليمها لابنه الذي كانَ أصغر بكثيرٍ من استشعار قيمها التي ترقدُ في بطون الكتب لتستحيل واقعا في حياته، ورغم الضوضاء التي أحاطتهما قبل أن ينتهي سمير من طرح أفكاره، إلا أن أياً منهما لم يلتفت الأب المصغي والابن المتحدث، إلى أن عدداً من المرضى قد لحق بتلك الجلسة الخاصة، فما كان من الأب إلا أن احتضن ابنه صائحاً بصوت أجش لكنه ينضح بالفخر: إنه ابني سمير.. هذا ابني، وتفجّرت بعينيه ينابيع دمع صادق.

غادر الأب الدنيا، بعدَ أن أضاء دربَ الابنِ جمالاً وأهداهُ مستقبلاً يشعُّ أملاً، يومَ علَّمهُ بأن المغفرة أشدَ وقعاً من الانتقام وأدوم أثراً، وأنّ الكراهية إذا ما حلت داخل إنسان، فإنها تبدأ به رحلتها في سحق البشر فتدمرهُ قبل الآخرين.

ليث مشتاق

2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Discover

A daily selection of the best content published on WordPress, collected for you by humans who love to read.

Longreads

The best longform stories on the web

The Daily Post

The Art and Craft of Blogging

The WordPress.com Blog

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

%d bloggers like this: