الخيل والليل … والتاريخ

عله يكون اكثر الكتب روعة بالنسبة لي منذ سنوات فلقد اسرني اسلوب امين معلوف في كتابه الموسوم ( الحروب الصليبية كما رآها العرب ) لا لسرده وقائع تاريخية تشبع نهمي في قراءة التاريخ .. بل لان للكتاب رسالة لاتتجلى واضحة الا عند الصفحات الثلاث او الاربع الاخيرة وانت تقرا الخاتمة .. لترد تلك السطور القليلة العميقة على كل الاسئلة التي تثيرها استفزازات امين معلوف بين الفينة والاخرى على طوال ذلك السرد الدرامي لحلقات تاريخية كتبت باسلوب رشيق مفعم بالشد فبالكاد تلقي الكتاب حتى تشتاق اليه وبين القراءة والقراءة تبقى الاحداث والشخصيات تدور في ذهنك تارة لتدفعك للتساؤل واخرى للغضب ومرة للياس ..

crusades

لقد لعب امين معلوف في ذلك الكتاب  ببراعة  في المزج بين الرواية التاريخية لمصادره الثابتة على مدار السرد والاستشهاد وبين طرح رؤيته وتفسيره لتلك الاحداث .. فلقد برع بل وابدع في استدعاء روايات ابن الاثير مؤرخ الموصل وكتابه المرجع ( الكامل في التاريخ ) والاحداث التي سجلها ابن القلانسي الذي عاصر تلك الحقبة في كتابه ( ذيل تاريخ دمشق ) كذا فعل مع بعض المؤرخين للولاة والسلاطين وكتاب دواوينهم .. ليضعنا امين بين الرواية التاريخية للاحداث كما رواها معاصروها وبين ” تحليلاته الشخصية ” ليرسل لنا بين السطور رسائل ذكية عل احداها ارادت الربط بين ذلك الامس واليوم في مجريات الاحداث رغم اختلاف الشكل واسماء الشخوص الا انها تتشابه الى حد   تكريس عبارة ان التاريخ يعيد نفسه او يكرر نفسه

اما رحلتي الشخصية مع الكتاب فقد كانت شاقة شيقة … اذ لم انتهي من الكتاب الا في ثلاثة اشهر حيث بدات بقراءته في تونس وقرات جزء منه في ايطاليا وصقلية والمانيا ثم تونس ثم ليبيا ودبي وختمته ليلة الامس في الدوحة لست ادري ان كان قدرا ما وراء التنقل الزماني والمكاني اثناء قراءة ذلك الكتاب الذي سيعرج كثيرا على صقلية وروما وملك الالمان الغازي لبلاد الشام .. ام ان الامر محض صدفة .. فلم تكن قراءة في كتاب بقدر ما كانت دراسة وتامل لكل سطر فيه اذ كنت اقرا احيانا صفحتين فقط في يوم واحد لافتح امامي خريطة تاريخية اطالع فيها اسماء المدن والضيع والانهار التي اجتيزت والموانئ التي شهدت قتالا ضاريا للسيطرة عليها .. كما بحثت في ذات المراجع المذكورة في الهوامش لاقرا السياق التي اخذت منه الشهادة هنا او هناك .. ولم انم ليلتي وانا اختم الكتاب .. ليس بفعل الانبهار او الحالة النفسية التي يلقي بظلالها ذلك الكتاب على دواخلي بل .. في مراجعة تامة لطريقة قرائتنا لشيفرة التاريخ .. فكثيرا ما قراءنا التاريخ في المدارس بل وفي القرآن .. الا ان قراءتنا كانت دائما بمعزل عن علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد .. التي لاغنى لمن اراد الاستفاضة من التاريخ معرفيا من ولوج تلك العلوم وربطها ربطا متزامنا بالاحداث والاشخاص والازمان والاماكن .. لم نرى السلاجقة كما هم ولا زنكي .. ولم نعرف نور الدين محمود معرفة دقيقة ربما اغرقنا في الاعجاب بصلاح الدين وهو فعلا وبحق اهلا لكل ما القي عليه من ثناء فلقد كان على المستوى الاخلاقي المغرق في المثالية اهلا للكثير من التقدير اذا ما نظر الى قيمه ومبدايته لا شجاعته فقط .. لكن كثيرا ما تناولنا بيبرس وقطز وايبك وشجرة الدر .. وغيرهم بكثير من المغالاة ..

عصور الانحطاط تتشابه بمظاهرها ومفرداتها اليومية وشكل السلاطين فيها وبذخ العيش ودونية قيمة الانسان وسطحيته .. كما ان عصور النهضة ايضا تتشابه .. حتى الوحشية هي هي ذاتها .. ففي معرة النعمان سلق الفرنجة النساء والرجال في قدور واكلوهم بينما وضع اطفال المسلمين في سياخ وشوو على النار واكلو وذلك ( حسب روايات مؤرخين فرنجة الى جانب الرواة العرب ) فهل من عجب بعد ذلك لما حصل للفلوجة وقبلها دير ياسين !! اقول وانا اليوم اقف على الروزنامة في عام ٢٠١١ لارى على الاقل اوضاع بلادي اي العراق  والهوان الذي حل بها فبغداد استبيحت وجيئ اليها بولاة اختارهم الغزاة وتشرذم الناس وتخندقوا خلف مسميات الطائفة التي كانت حاضرة في ذلك الماضي ايضا فلم يخترع الغزاة اليوم نزاع السنة والشيعة فلقد كان حاضرا ابان الحروب الصليبية بين السلاجقة الاتراك السنة وبين الفاطميين الشيعة .. ولم يكن الغزاة اليوم مبدعين في ابتكار المليشيات  التي عمقت  التخندق الطائفي بين كلا الفرقتين عبر الاغتيالات والقتل والخطف في ليالي مظلمة وبصمت .. فلقد فعل ذلك من قبل حين تحالف الحشاشون ( وهي مليشيا شيعية تعد الاخطر من حيث التنظيم والقدرة على تنفيذ العمليات الانتحارية في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية ) مع الصليبيين وكذا الفاطميين حين تخلصوا من اول منادي للجهاد ضد الصليبيين وقتها في حلب وبغداد .. والمفارقة انه كان رجل دين ( شيعي ايضا ) الا انه كان مناهضا للصليبيين وداعيا لوحدة المسلمين وحرض السلطان حينها على القضاء على الحشاشين باعتبارهم الخطر الداهم كما الغزو الفرنجي فما كان من الحشاشين الا ان ارسلوا اليه فرقة ترديه صريع طعنات عديدة على بوابة المسجد حسب الرواية التاريخية  .. وارى الخانعين اليوم ولم يكونو بدعا من الناس بل في ذلك الامس كان فتح الاسوار ونقب الجدران وارسل الحبال لتسهيل مرور الغزاة الى المدن وظيفة الخونة وشغلهم الشاغل وكانت الخيانات على اشدها وفي كلا الطرفين بل ان الخيانة وسفك الدماء وقطع الرؤوس تستحق ان تكون سمة العصر وقتئذن .. وارى من يهب مالا يملك كما هو حال القدس التي لم يكن السادات ومن لحقوا به ايضا بدعا من الزعماء فما بال الكامل حفيد صلاح الدين يعرض السيادة على المدينة المقدسة للفرنجة مقابل الرجوع عن حملتهم على مصر وكان القدس ملك يمين ابيه .. وارى المسيحيين الشرقيين كما حالهم فالعراق مثلا بين نار الغزاة ونار ابناء العمومة واخوة البلد والانسانية والتي لم تكن ايضا جديدة على الشرق .. فابان الحروب الصليبية رغم كل ما ابداه المسيحيون الشرقيون من تاكيد على انهم عرب ومواطنون الا ان حمق الكثير من الولاة دفعهم للنظر اليهم بعين الريبة .. كما لم ينظر لهم الغرب الغازي بعين تختلف عن اخوتهم العرب فقتل المسيحيون العرب ونهبت كنائسهم اسوة بما فعل بالعرب المسلمين .. فكان المسيحيون حينها بين فكي كماشة احايين كثيرة حتى تجلت حقيقته انهم عرب حين قدموا الدعم لكل محرر جاء مما حدى بالفرنجة الى اعدام القساوسة في القدس وغيرها لينتهي حكم الكنيسة الشرقية على المدينة المقدسة وتسلم السيادة الدينية في  القدس الى اللاتين ( حتى يومنا هذا ) وهكذا تمضي الاحداث وكلما قلبت صفحة في الكتاب انما تقلب اياما وسنين مما نعيشه اليوم ..

والذي قد تخرج به بعد تلك الرحلة بين الامس واليوم .. ان لا عموميات ولا تصنيفات ولا كل تلك الهرطقات التي نتعامل بها على الدوام تحت يافطة .. كل العرب كل الترك كل الفرس كل الفرنجة كل كل كل ..  اذ لا وجود لتلك الكليات وتلك الحواجز النفسية التي نضعها امامنا حاجزا تلو آخر لنوهم انفسنا او نتوهم بان خلف ذلك الممر وحشا فاتكا دون تجشم عناء الاستكشاف والتفكيك للمواقف ووضع كل حدث وقول وشخص في مكانه .. دون ان ينسحب بالضرورة على امم وشعوب واديان باكملها .. وتخرج بان المسطحين اليوم من ابناء قومنا المتغربين المستلقين على بطونهم امام كل ماهو غربي شكلا وزيا و ( نفخا للشفاه وما سواها …. ) وذلك النكوص حتى على صعيد اللغة التي بات المنهزمون ( بكل تفاهة تبريراتهم .. ) يجاهرون بفخر ان ولدي فلان لا يجيد العربية ولايفقه عن دينه وتراثه وتاريخه شيئ الا انه ضليع في لعبة البيسبول كاسياد ابويه .. ايضا نتيجة حتمية للهزيمة الشعورية التي اكتشفت بمعونة امين معلوف انها لم تكن وليدة اللحظة ( مع كل المحاولات التي تبعت غزوات الفرنجة ) للنهوض بواقع الامة .. لحظة عن اي امة اتكلم … ان اصطلاح الامة بات اشكالا تاريخيا .. فهل اعني امة العرب .. غالبا ساشير بمصطلح الامة الى الشرق الاوسط فلقد غاب العرب عن المشهد المؤثر لا بعد احتلال العراق او موت عبد الناصر او وفاة بورقيبة او او او او حتى ضياع فلسطين .. بل ان العرب غائبون بعد انتهاء الدور الفاعل للدولة العباسية بعد الرشيد والامين والمامون ليصبح الخليفة ذيلا للبويهيين تارة وللسلاجقة اخرى .. وهاهي الحروب الصليبية او تلك الحقبة برمتها تشير الى حقيقة غياب العرب عن الادوار الفاعلة وان كنا نعزي الانفس ( بان اؤلئك القادة عربهم الاسلام .. او هكذا ندعي ) الا ان حقيقة ان زنكي ونور الدين محمود وقطز وبيبرس وغيرهم كانو اتراكا وان شيركوه وصلاح الدين والعادل والكامل وايوب كانو كردا بل ان شجرة الدر كانة امة ارمنية .. فعلى مدى ثلاثة قرون لم يكن للعرب وجود ظاهر على مشهد الاحداث ( كقيادات فاعلة ) ليتبعها العثمانيون الاتراك وامبراطوريتهم والصفويين الفرس ومملكتهم .. ونحن .. منذ احقاب سحيقة في محل مفعول به مضاف اليه خيبة وتردي وتشرذم  والادهى والامر .. وبالعامي ( عاجبتنا نفسنا .. على شنو ؟ .. ما اعرف ) .. اعود لقول ان اؤلئك الفاقدين لشخصيتهم وهويتهم اليوم ماهم الا امتداد لتلك الايام .. عدى انه كان الشرق الاوسط يعيش يومها هالة التقدم والتفوق العلمي و الذي توقف فعلا عند نقطة الغزو الصليبي الذي فشل في البقاء واضطر الى الرحيل بعد مايزيد عن قرن ليتمم عمله ( وذلك ثابت بالوثائق ) الغزو المغولي الذي اجهز على قوة الدفع الحضارية لدينا .. ليكون مفصلا تاريخيا نقف عنده حتى الان .. اذ اخذ الغرب عنا الصناعات والعلوم والفلسفة واللغة وكل اسباب التقدم .. وبقينا مذ ذاك نجتر امجاد ماض لم نعد نحفل به اليوم حين اصبح الماضي فقط .. واقول فقط اما رجال حرب .. او رجال دين .. لان علينا حسب ثقافتنا السياسية والاجتماعية استدعائهما كلما لزم الامر .. فاستدعاء المقدس وبطولات الفرسان صفة بشرية في المحن او لتمرير اجندات الحكام عبر التاريخ والمفارقة ان العرب والفرنجة عزفوا على ذات الوتر قديما .. واليوم نفعل الشيئ ذاته .. اما الماضي ككل .. اما الماضي بعلومه ومعارفه .. اما علمائنا الذين هم بناة امجادنا كشرق بشكل عام .. البناة الحقيقيون .. لايعرفهم الجيل الجديد .. فجيل المسخ لايعرف الفارابي ولا مريم الاسطرلابي ولا الكندي ولا الرازي ولا الاصطخري ولا المقدسي ولا ابن النفيس ولا بن خلدون ولا الخوارزمي والقائمة تطول .. اذا فنحن بحال اسوء بكثير عن تلك التي عاشها الشرق الاوسط ابان غزو الفرنجة اذ كان الغرب متخلفا بدائيا همجيا لا يعرف ذوقا ولا قيما ولا اخلاق ولا حتى دين حقيقي عميق .. وكان العرب والمسلمون اكثر علما وثقافة وقيمية .. اما اليوم فالحال اسوء ولا داعي لذكر البون الشاسع بين كلا الفريقين ..

لن يكون لقراءة التاريخ معنى ان لم تخرجنا من ضيق النظر الى الجزئيات التي نتصارع عليها الى البحث عن مواطن العلة فينا .. فينا نحن .. اذ يلزمنا من الدراسة والبحث في ذواتنا وذوات من نعادي .. في زمن بتنا نعادي فيه كل شيئ الا من يستحق العداء … الا وهو الجهل .. ونعيد النظر في طريقة قراءتنا للتاريخ وعلم الاجتماع بعيدا عن الخطب الطنانة للزعامات بشقيها التي تجتزئ حسب البورصة السياسية .. لنفهم نحن وبلا وصاية من احد مانحن فيه لنحول ذلك الفهم ( ربما ) الى مفاهيم نعلمها لجيل قادم .. عل معجزة تاريخية تعود بنا سراعا او تزحزحنا عن تلك الحقبة التي تسمرنا فيها دون حراك  ..

ليث مشتاق

2013

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Discover

A daily selection of the best content published on WordPress, collected for you by humans who love to read.

Longreads

The best longform stories on the web

The Daily Post

The Art and Craft of Blogging

The WordPress.com Blog

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

%d bloggers like this: