الجمال … ذلك الغريب المألوف

من المنطقي ان يحصر العربي “ قديماً “ الجمال بالخيل .. او عيون “ ليلى “ .. او ان يشبه بريق “ السيوف “ ببريق ثغر حبيبته ،، عندما كانت حدود عالمه تنتهي بانتهاء مضارب بني فلان … لكن الغريب .. ان يفقد العربي اليوم الاحساس بالجمال .. بعدما تلاشت الحدود امامه بالمعرفة .

535673_10151702736983102_1210979653_n

لاساليب التلقي عند الصغر اثر في تكوين الهوية والشخصية ربما ذلك من المسلمات العلمية .. لكن ماهو غير مسّلمٌ به نجاعة وصحة اسلوب تلقينا ونحن صغار .. ناهيك عن ما تلقيناه اصلاً .. اذكر اننا في مدارس العراق وحتى اليوم بالمناسبة يؤسس تدريس مادة الدين على قصار السور “ جزء عم “ .. حيث آيات التخويف التي قصد بها تحذير قريش في زمان ومكان معينين … آيات تتحدث عن انكدار الشمس والحطمة وما ادراك ما الحطمة .. فيكون تعرضنا الاول وتعرفنا الاول على مادة الدين مقروناً “ بالخوف ، النار ، انهيار الكون وتداعيه عند قيام الساعة ، بل الساعة نفسها “ اي اننا نبدأ “ بالنهايات “ .. في سن لاتزال حواسنا طرية .. ناعمة .. نحاول ان نخط خطواتنا الاولى في الحياة .. لنتعلم حب الحياة “ لا الموت “ وحب الجمال ..

يكمل تلك الجرعة جرعات متتالية .. فكلما كبرنا اكثر .. اطلعنا على ماهو اشد وطئة من القهر “ لاستشعار الجمال فينا “ … ولست بمعرض التعرض للاليات والمناهج التي تجعلنا يومياً نفكر في الموت والقبر والافاعي والكلاليب … ونحن مازلنا على الارض من حولنا الجنان والجبال وشروق الشمس وغروبها والسماء الموشحة بالنجوم .. والشفق الجميل اذا مازرنا شمال اوربا واقتربنا من القطب الشمالي جغرافياً …

كل تلك الاليات .. والمناهج .. التي لاتحترم منطق ان لكل مقام مقال .. وان غياب الفهم الحكيم لاسباب النزول او ورود النصوص وماهياتها ودواعي ذكرها .. دفع العقل الجمعي لاختزال علاقة الحب والجمال بالسماء واحالتها الى علاقة رعب وخوف من مصير حتمي افقدنا الحس بالكثير مما حولنا …

رحلت عن بلدي لاسباب عديدة عام ٢٠٠٤ .. كان الامر صعباً … لكن للقدر حكمة ذكرتني دائماً بالعبد الصالح .. وموسى الانسان … وتساؤلات القدر … فاذا بي اكتشف بعد سنوات بان تلك المحنة كانت منحة … منحة اتاحت لي الترحال في افريقيا واسيا واوربا .. فما من محيط الا ومررت به ولا بحر ولاسلسلة جبال شهيرة ولاصحراء حالمة الا وقدر لي المرور بها والاقامة عندها اسابيع .. وكنت اتسائل عند كل مشهد جميل بديع ساحر … لمن هذا كله ؟؟ لماذا ارى السياح من كل بقاع الارض احياناً كثيرة … ولا ارى عربي واحد هناك !! .. هل قدر لذلك الجمال والروعة في المخلوقات … ان تسحر لب من “ ننعتهم بالماديين المصابين بالخواء الروحي “ .. بينما لاتجد في تلك الاصقاع “ من اغنياء الروح قط “ … وتسائلت اليس لكل حاسة اجهزة وادوات يتطلب وجودها اولا .. لتؤدي وظيفتها بعد ذلك !! … فما هي ادوات حاسة تذوق الجمال لدينا .. واين هي .. ومتى تضمر او تنمو  … اين انتعشت واين خبت على مر تاريخ حضارتنا .. وماهي الشواهد على النقيضين … ذلك ما يحتاج منا فسحة في التفكير .. وعضة للاجيال التي تلينا

ليث مشتاق

2014

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Discover

A daily selection of the best content published on WordPress, collected for you by humans who love to read.

Longreads

The best longform stories on the web

The Daily Post

The Art and Craft of Blogging

The WordPress.com Blog

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

%d bloggers like this: