الأثر …

549621_10151344127688102_1421344697_n1

 

أصواتهم تتبعني.. تناغم قلبي.. تسيل مدامعي.. لكنني لا أراهم.. وكم صرخت مناديا.. أين أنتم؟
مذ كان طفلا.. كان يصغي لأشعار ليست كباقي الأشعار.. كلمات تظلُّ عالقة في لبه، تعذر عليه الفهمُ مِرارا.. لكنها كانت تعبر به من ضيق عالمه إلى أفق أرحب..ترى ما سر ذلك النهاوند الذي يحيل تلك الأشعار إلى راهبٍ أو زاهدٍ يعلمك بابتسامة منه معاني النقاء والتجرد عن تفاهات الحياة المنمقة.. لتبدأ باقتفاء الأثر.. وكلما سرت استزدت.. وكلما شربت زاد ظمأك وكلما تتبعت زال الضبابُ من حولك لترى حقيقة الحب.. ذلك الصوت وتلك الكلمات.. عاصرها طفلا في رصافةِ بغداد.. ورآها تترددُ على ألسِنة الناسِ هُناك.. عند أبي حنيفة يوم احتفال المولد.. أو هناك عند الجميع..

عند عبد القادر الجيلاني ومعروف الكرخي وأحمد الرفاعي وبشر الحافي.. وكانت هناك بذات اللحن.. تناجي بذات الحب وان اختلفت اللغة.. فهو لا يفقه السريانية.. إلا أنه يجيد فهمَ النهاوند.. نبرة الصوت ذاتها تشي بمناجاة يلفها الحب حيث ارتحل إلى دير متى ومار ربان هرمز.. بقي الصوت عالقا في ذاكرته حتى بات ملازماً له خمساً وأربعين ليلة وهو يصغي للأشعار ذاتها.. تنطلق.. هذه المرة من مآذن الفلوجة في الوقت الذي كانت تحاصر فيه.. وحين سأل عن سبب تلك الأصوات التي تقطع على المدينة صمتها بين القصف والقصف.. قيل له: تلك القصائد ترفع الروح المعنوية.. وتبقي القلوب رقيقة واثقة..

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ

إذا صح منك الود فالكل هين فكل الذي فوق التراب ترابُ

ارتحل.. وحمل تلك السطور معه وحمل معه أوراق وليد الأعظمي وكلمات باولو كويلو.. إلى كل بقعة من بقاع الدنيا حل فيها وتساءل.. عند معابد البوذية في مشارق الأرض.. والكنائس المبنية من القش في أدغال أفريقيا.. وأديرة الرهبان في الجبال.. وفي مكة حين وقف أمام البيت العتيق.. ماذا يريد هؤلاء!!.. إلام يصبون!!.. لتجيبه ابتسامة ذلك الزاهد.. (البحث عن النقاء).. فالكل يريد الأثر.. وإن تنوعت مسالكهم.. فلله المشرق والمغرب..

يا بني.. إن ترنيمة النهاوند التي جذبتك طفلا.. والقصائد التي جعلتك تفكر بعد ذلك.. إنما هي مقدمة لدفعك للتمعن فيما بين السطور.. يا بني.. إن أردت الأثر فعليك اتباع أول شروط المؤثر.. ترفع عنك الكره.. لتزين قلبك بالحب.. فـ التخلية قبل التحلية”.. هكذا تعلمنا ممن سبق.. لتروض بعدها ذاتك على الغفران.. وتنصت جوارحك فتصفو.. يا بني هنالك جزيرة وسط البحر هي أرض الحق.. وينبوع الخير.. ومحتوى الصفاء.. والناس يقفون في قواربهم على الشاطئ كل يحاول الإبحار إليها بطريقته.. فعليك بالغاية.. ولا تشح بناظريك عن تلك الجزيرة.. ولا تلتفت للمنشغلين بالتباهي والمجادلة.. فهذا يقول قاربي أسرع.. وذاك يقول قاربي أجمل.. وآخر يقول قاربي أكمل.. فالعبرة قبل القارب بقلب من عليه.. بمدى تعلقه بتلك الجزيرة.. ومدى شغفه بالوصول إليها.. فلا تُعب على أحد قاربه.. عليك بقاربك أنت.. فأنت الذي إما أن تصل.. وإما أن يضيع منك الأثر..

أطرق برأسه.. أخذ يبتعد عنه ذلك الزاهد..

– انتظر.. سيدي انتظر.. لدي سؤال..

– قل يا بني..

– لو رحلت عني.. كيف سأكمل الطريق وحدي..؟

– ومن سيكون لك بعد موتي؟.. اربط قلبك بالأثر.. وتقرب إلى المؤثر بالخير والحق والعدل.. فهو من تحتاج دوما.. أما أنا فعابر سبيل.. لا أرض لي.. وحين موتي لا تبحث لي عن قبر..

وردد أبياتا لجلال الدين الرومي:

“بعد أزوفات تربت مادر زميني مجوى درسين هاي مردم عارف مزارماست”

يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدِّ الرحال قبرنا يا هذا في صدور العارفين من الرجال

 

ليث مشتاق

2010

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Discover

A daily selection of the best content published on WordPress, collected for you by humans who love to read.

Longreads

The best longform stories on the web

The Daily Post

The Art and Craft of Blogging

The WordPress.com Blog

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

%d bloggers like this: